0
الأحد 19 آب 2018 ساعة 11:24

أمريكا واللعب على حبال الأقليات

أمريكا واللعب على حبال الأقليات

ولكون الشرق الأوسط يغلب عليه الطابع الديني ويحتوي على عدد لا متناهي من الأقليات الدينية، استطاعت واشنطن أن تجد ضالتها في هذه الثغرة، وبحجة الدفاع عن هذه الأقلية الدينية أو تلك القومية غزت دولاً بأكملها ومن لم تستطع غزوه بثت سمومها فيه، ورأينا ذلك في سوريا والعراق.

ولكي تغلّف أمريكا نهجها القديم الجديد هذا بإطار قانوني قامت بعقد مؤتمر دولي هذه السنة تحت عنوان "الحريات الدينية في العالم" الذي عقد يومي 25 و26 تموز/يوليو لمناقشة سبل الدفاع عن الحريات الدينية في العالم، وبدأ المؤتمر أعماله بتعريف المشاركين على الدور الذي يجب أن يضطلعوا به لـ"حماية الحريات الدينية" وكيفية الحصول على التمويل الأمريكي ونوعية المشاريع التي يمكن أن تموّلها المؤسسات الأمريكية، وجرى الحديث عن مظلومية مسلمي الروهينغا وبعض الأقليات الأخرى في الشرق.

وفي 17 نوفمبر سنة 2010 صدر عن الخارجية الأمريكية تقرير تحدّث بأجزاء منه عن دولة مصر وركّز التقرير على منظومة القيم والأخلاق، فضلاً عن الأعراف والعادات والتقاليد، متخذاً من الأقليات الدينية ورقة للتدخل في شؤون مصر الداخلية.

مصداقية واشنطن في حماية الأقليات

أولاً: ازدواجية أمريكا في هذا الملف لا تنتهي، فواشنطن التي تدّعي أنها تحمي أكراد سوريا وتدافع عنهم، لم تحرّك ساكناً عندما هاجمهم التركي في عفرين، وكذلك فعلت عندما هاجمت داعش الايزيديين، وواشنطن نفسها التي تدعي أنها تدافع عن الاقليات الدينية لماذا لم تتحدث عن الاضطهاد الذي يتعرّض له الشيعة في البحرين أو الاقليات الدينية في السعودية.

وتحدث وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عن تدخل الأمريكيين في سوريا عبر الأقليات حيث قال: إن أمريكا تستخدم بعض الأقليات السورية كأداة، مشيراً إلى أن هذا الأمر يمكن أن يؤدي إلى إيجاد توترات داخلية وإقليمية.

وأشار وزير الخارجية الإيراني في جانب آخر من تصريحه إلى الاستغلال الأمريكي لعدد من المجموعات السّورية، قائلاً: "أمريكا تستغلّ عدداً من الأقليات السّورية وتستخدمهم كميليشيات ذات أهداف قصيرة المدى، إلا أن هذا الأمر يستتبع آثاراً بعيدة المدى في تاريخ الشعب السوري وسيؤدي إلى عدد من التوترات الدّاخلية في هذا البلد إضافة إلى التوترات الخطرة التي تعيشها المنطقة".

ثانياً: في واقع الأمر واشنطن لا تريد حماية أحد سوى مصالحها ولا يخرج منها أي قرار أو فعل إلا من هذا المنطلق، فهي في حقيقة الأمر تعمل على استغلال ورقة الأقليات لزعزعة استقرار الدول أينما أرادت ذلك ووفقاً لمصالحها، ومن خلال تحريض هذه الأقلية أو تلك تكون قد منعت انصهارها مع الأغلبية وتركت جرحاً عميقاً بينها وبين بقية الأقليات والطوائف، وهي بذلك تكون قد سهّلت السيطرة على هذه الدولة وعملت على إشغالها بمشكلاتها الداخلية ومنعتها من التقدّم والتطوّر والسير في ركب الديمقراطية التي تبحث عنها، فهي في الحقيقة تريد أن تبقى هذه الدول ضعيفة هشّة غير قادرة على الاعتماد على نفسها وبالتالي إبقاءها تحت الظل الأمريكي.

ثالثاً: ما تبحث أمريكا عن نشره في الشرق هل تطبّقه هي في بلادها؟!، الواقع يقول "لا" فالتمييز العنصري واضطهاد الأقليات زاد بنسب كبيرة خلال الأعوام الماضية، خاصةً بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فمنذ انتهاء الانتخابات الأمريكية، ظهر أناس يجاهرون بكراهيتهم تجاه أصحاب البشرة السمراء وغيرهم من الأقليات الدينية، فقد أكدت دراسة تناولت الفترة التي أعقبت انتخابات الرئاسة الأمريكية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أن الاعتداءات التي تأخذ طابع الكراهية بالإضافة لحالات التحريض سجلت ارتفاعاً في معظم الولايات الأمريكية.

وسجلت الزيادة في مدينة نيويورك نسبة 24 في المئة، وهي أعلى نسبة خلال عشر سنوات، وفي شيكاغو 20 في المئة، وفيلاديلفيا 50 في المئة ثم واشنطن العاصمة بنسبة 62 في المئة.

وتفاوتت الحوادث المدرجة على القائمة بين الاعتداءات الجسدية الشديدة، إلى رسم جداريات تتسم بالعنصرية، والتحرش بالأمريكيين من ذوي الأصول الإفريقية، والتهديد بتشويه صورة المهاجرين ومصادرة الوثائق، أو أي شيء آخر، وكان عرّاب هذه التصرفات بكل الأحوال الرئيس الأمريكي نفسه الذي وقّع في بداية العام 2017 قراراً تنفيذياً يحظر دخول اللاجئين السوريين إلى الأراضي الأمريكية، ويمنع إصدار تأشيرات دخول لمواطني ست دول إسلامية أخرى، وهو ما عدّه حقوقيون تمييزاً ضد المسلمين ومخالفاً للدستور الأمريكي.

في الختام.. سياسة أمريكا تمثلت في دعم الأقليات ضد الأغلبيات، ودعم الضعيف ضد القوي، ليضعف القوي، ثم تفتك بالضعيف على أهون الأسباب.
 
رقم : 745360
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

إخترنا لکم