0
الخميس 7 آذار 2019 ساعة 08:28

العلاقات الإيرانية السورية الاقتصادية وأبعادها الإستراتيجية

العلاقات الإيرانية السورية الاقتصادية وأبعادها الإستراتيجية
وتأتي الزيارة استكمالاً لأحداث الشهر الماضي والأحداث الجارية من إعلان واشنطن الإبقاء على 200 جندي أميركي في سوريا، بعد صدور العديد من التصريحات الروسية والإيرانية المطالبة بالخروج الأميركي النهائي من سوريا ومن قاعدة التنف التي تقع في الأراضي السورية وعلى مثلث التلاقي ما بين الدول الثلاث سوريا والعراق والأردن.

تهدف هذه التصريحات إلى وجوب خروج القوات المحتلة من سوريا والتي تتمثل بالقوات الأميركية وقوات التحالف الغربي وتركيا وإنهاء وجود الميليشيات الإرهابية التي تعتبر العامل الأخطر على الاقتصاد السوري. إذ دلّ الدمار الذي خلّفته هذه الميليشيات خلال السنوات الثماني الماضية على بشاعة دورها في تقويض الأمن الإجتماعي والسياسي والإقتصادي في البلاد. وقد تسبّبت في دمار البنى التحتية والتي تعدّ جزءاً أساسياً من البنية الإقتصادية في مختلف المجالات.

واليوم، إرساء الأمن في سوريا قد أمّن أرضية خصبة للقطاع العام الإيراني للمشاركة في إعادة إعمار وسد حاجات سوريا. وهذه العلاقة الإقتصادية المتقدّمة مع الإيرانيين، تأتي بمثابة إيفاء بالوعد المتكرّرالذي صرّحت به الدولة السورية: بأن مَن سيساهم في إعادة إعمار سوريا هي الدول التي وقفت إلى جانبها في محنتها. والجميع يعرف اليوم أن هذا الوعد يشمل كل من روسيا والصين والهند، وهو أمر يتسبّب بأزمة كبيرة للأوروبيين والأميركيين، الطامعين في حصّة من كعكة إعادة البناء السورية.

إذ أنه على الرغم من لعبة “الخيٍّر والشرير”، التي يلعبها بالتناوب كل من السوريين والروس، والتي تتجلّى في دعوات روسيا المتكرّرة لكل من الأميركيين والأوروبيين من أجل تغيير مواقفهم الراديكالية تجاه سوريا وتكريس أهمية دورهم في إعادة إعمارها، كان يقابلها تصريح سوري أن مَن سيُساهم في إعادة إعمار سوريا هي الدول التي وقفت إلى جانبها، وأن مَن سيُعيد إعمار سوريا هم السوريون أنفسهم.

إذ لا يمكننا أن نعتبر تزامن توقيع الإتفاقيات الإقتصادية ما بين سوريا وإيران مع تطوّر نظام الدفع المالي ما بين إيران ودول أوروبية من أجل شراء النفط الإيراني ضرباً من المصادفة، خاصة بعد أن أعلن رئيس اللجنة الإقتصادية المشتركة بين إيران وسوريا السيّد كيوان كاشفي عن سلسلة من المشاريع الإقتصادية الهامة ما بين البلدين ، ومنها إنشاء مركز إيراني تجاري في دمشق وتأسيس شركة نقل مشتركة بين إيران والعراق وسوريا تعمل على نقل البضائع الإيرانية من إيران إلى سوريا.

في ظل هذه العلاقات المتنامية يمكن قراءة ما ترتّبه الأطراف المتحالفة من أجل تنشيط القطاع الإقتصادي في سوريا وما يحاوله أعداء سوريا من أجل تقويض محاولة النهوض بالإقتصاد السوري والعلاقة الإيرانية السورية في المراحل المقبلة.

وعليه يمكننا أن ننظر إلى نظام الدفع المالي الجديد بين أوروبا وإيران”أنستيكس” ((INSTEX، على أنه البوابة الخلفية التي يمكن من خلالها اختراق نظام العقوبات الأميركية، فهو نوع من التبادل التجاري يخدم العلاقات الإقتصادية التي وقّعت مؤخراً مع سوريا، والذي يمكن من خلالها استخدام اليورو بدلاً من الدولار الأميركي. ومهما تكن التصريحات التي تنهال من الأميركيين حول فرض العقوبات على إيران أو العمل على تقويض كل من الإقتصادين السوري والإيراني فلن تعدم الدولتان الوسيلة للإلتفاف على هذه العقوبات وإعادة بناء اقتصادهما بناء على منظومات التبادل المالي الجديدة التي ابتدأت في العالم.

وبناء عليه فقد هيّأت ورتّبت إيران للتقنيات التي سيتم من خلالها التداول التجاري والدفع بالقطع الأجنبي لها على الرغم من العقوبات المفروضة عليها، ما يهيّىء الأجواء للعمل والتبادل الإقتصادي في عملية إعمار سوريا. بالطبع تزامنت الإجراءات مع اللقاءات التي تمّت ما بين رجال الأعمال السوريين وما بين رجال الأعمال من الإمارات العربية المتحدة، وستؤمّن هذه العلاقة جزءاً من عملية التبادل المالي ما بين سوريا والعالم عن طريق المصارف الإماراتية، وذلك بحسب تصريح أحد رجال الأعمال السوريين .

الإتفاقيات التي جاءت ما بين دمشق وطهران والتي وقُعت حتى زيارة إسحاق جهانغيري النائب الأول للرئيس الإيراني إلى سوريا في نهاية شهر كانون الثاني / يناير تظهر وبشكل واضح العمّق الإستراتيجي الذي يتبنّاه البلدان من خلال توقيع 23 إتفاقية اقتصادية دفعة واحدة. إذ يعمل البلدان بشكل منهجي على تبنّي سياسات إقتصادية تستطيع تجاوز العقوبات الأميركية المفروضه عليهما. وفي الحقيقة، يمكن لسوريا الإستفادة من خبرة إيران على العمل في ظل العقوبات الإقتصادية المفروضة، ما يجعلها مرجعية ممتازة.

كما يمكن للبلدين أن يشكّلا قوة إقتصادية إبتدائية يمكن البناء عليها. فالخبرات الإيرانية في مجالات صناعة السيارات وغيرها من الصناعات تمهّد لإعادة بناء القاعدة الصناعية التي خسرتها سوريا خلال الصراع، والتي قامت الجماعات الإرهابية فيها بسرقة المعامل وبيعها في تركيا. كما أن تشكيل لجنة مشتركة عليا سورية- إيرانية من أجل متابعة تنسيق العلاقات الإقتصادية وتطويرها يُعدّ أمراً متقدّماً في مستوى العلاقات ما بين البلدين. وهو يظهر أن هناك تنسيقاً على مستوى عال يتم التحضير له من أجل المضيّ قدماً في تطوير العلاقات الإقتصادية.

وعليه يمكننا أن نفهم خلفية التصريح الإيراني حول ضرورة خروج الأميركي من التنف ومن سوريا. فبناء شركة المواصلات ما بين سوريا وإيران من أجل نقل البضائع يمكن أن يتضرّر من الوجود الأميركي المرتبط بالجماعات الإرهابية لما يشكّله ذلك من خطر على حركة البضائع، عدا عن كونه انتهاكاً لسيادة كل من العراق وسوريا على حد سواء. ولا يمكن اعتباره إلا نقاط مراقبة أميركية. وبالتالي على الأميركي أن يفهم ألا فائدة ترجى له أو لـ"إسرائيل" من البقاء في سوريا، وخاصة بعد تصريح السيّد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله أن “مهمة نقل الصورايخ الدقيقة قد تمّت وقد اكتملت” في لقاء أجراه في بداية العام مع محطة الميادين.

إذ من الممكن أن تكون أميركا مقتنعة أن بقاءها في التنف، يمكن أن يعرقل تطوّر العلاقات الإستراتيجية والإقتصادية والسياسية ما بين سوريا وإيران والمقاومة في لبنان وفلسطين، أو أنها تستطيع أن تقيم نقاط مراقبة لمنع تمرير السلاح لحزب الله. ولكن لم يكن لتستطع أميركا أن تبقى في هذه النقطة من دون وجود داعش لحمايتها. والآن وداعش لم تبق سوى مجموعة من الجيوب الصغيرة والتي في طريقها إلى الفناء، فلن يكون هناك مَن يتلقّى الضربات عنها. وجاء لقاء القمّة ما بين سوريا وإيران ليؤكّد أن استراتيجية محور المقاومة قائمة ولن تزعزعها أكبر الصعوبات.
رقم : 781847
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

إخترنا لکم