0
الخميس 25 حزيران 2020 ساعة 13:22

من هو ذو القرنين .. ؟

من هو ذو القرنين .. ؟
وسنستعرض هذه الآراء بصورة محايدة وما أدلت به من أدلة ومؤشرات وقرائن تاريخية ومنطقية على شخصيته دون التحيُّز لأحدها, ونتجنّب الآراء التي بُنيت على منطلق قومي دون الرجوع إلى دليل، فرغم الضباب الذي يحيط بهذه الشخصية، إلا أن هناك بعض الآثار والمعلومات التاريخية التي ربّما ترجّح كفّة إحدى الشخصيات التي رُشّحت على غيرها.

في القرآن الكريم

جاء ذكر ذي القرنين وقصته في ست عشرة آية من سورة الكهف من الآية (83) إلى الآية (98) وهي:

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)

سبب نزولها ؟

اتفقت التفاسير على أن سبب نزول هذه الآيات الشريفة وما قبلها والتي تروي قصة أصحاب الكهف وقصة النبي موسى مع العبد الصالح الخضر (عليهما السلام)، هو أن زعماء قريش اجتمعوا للتداول في نبوّة رسول الله (ص)، فانتهى اجتماعهم بقرار إرسال اثنين منهم إلى أحبار اليهود في يثرب، وهما: النضر بن الحرث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، للسؤال عن نبوته (ص) وهل هي حقاً أم لا ؟ وكانت قريش تلجأ في هذه المسألة وغيرها من المسائل المشابهة إلى اليهود كونهم أصحاب كتاب ولهم علم واطلاع على الأمم الغابرة وأخبار الأنبياء (ع) حيث قالت قريش للمبعوثَين: (سلوا أحبار اليهود عن محمّد وصِفا له صفته، وخبراهم بقوله فإِنّهم أهل الكتاب الأوّل وعندهم مِن علم الأنبياء ما ليسَ عندنا).

ولما التقى المبعوثان بأحبار اليهود ونقلا لهما حديث قريش، قال لهما أحبار اليهود: (إسألوه عن ثلاث فإن أخبركم بهنّ فهو نبي مُرسل، وإِن لم يفعل فهو رجل مُتقوّل، فانظروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ما كانَ مِن أمرهم، فإِنَّهُ قد كان لهم حديث عجيب ؟ وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟)

رجع الرجلان إلى قريش وقالا لهم: (قد جئناكم بفصلِ ما بينكم وبين محمّد). وأخبروهم بما قال اليهود فجاؤوا إِلى النبي (ص) وسألوه هذه الأسئلة، فنزلت الآيات التي تتحدث عن أصحاب الكهف وقصتهم، وسيقتصر الحديث في هذا الموضع على السؤال الثاني وهو موضوع البحث الذي يدور حول ذي القرنين، حيث أجابهم (ص) بما جاء في الآيات الشريفة التي نزلت عليه من ربه.

وقد احتوت هذه الآيات الست عشرة على دروس كبيرة وعبر مفيدة للناس، حيث تروي سيرة رجل مؤمن بالله (عز وجل) عاملاً بطاعته، محباً للخير، قدّم خدمة للناس بإقامته سداً عظيماً منع به من اعتداء يأجوج ومأجوج على الناس. واستلزاماً للإحاطة بموارد البحث فسنورد تفسيراً مختصراً لهذه الآيات الشريفة كما ورد في تفاسير: (مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي)، و(الميزان في تفسير القرآن للسيد محمد حسين الطباطبائي)، و(الأمثل في كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي).

في التفاسير

جاء جواب اليهود من الله (عز وجل) على سؤالهم: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) عن طريق رسول الله (ص) بقوله: (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا).

والسين في (سَأَتْلُو) تعني أنه (ص) أوحِيَ إليه من الله هذا الجواب، وهي تستخدم للمستقبل القريب، كما تدل الآيات على أن قصة (ذي القرنين) كانت معروفة بين الناس ومنهم العرب، كما دلّ على ذلك السؤال عن حاله والجواب عن السؤال بذكر شأنه لا تعريف شخصه وهويته، حتى اكتفى بلقبه فلم يتعدّ منه إلى ذكر اسمه، كما دلت على شهرته أشعار العرب التي سنذكرها في هذا الموضوع، ولكن قصته كان يحيطها الغموض والاختلاف لذلك طلب اليهود من قريش سؤال رسول الله (ص) عنها. وجاء في أقوال المفسرين حول بقية الآيات ما يلي:

(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ): أي بسطنا يده في الأرض وملكناه عليها ومنحناه سُبل القوة والقدرة والحكم، وسخّرنا له هذه الإمكانيات في طاعة الله فحقق الغاية منها.

(وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا): أي منحناه أسباب الوصول لكل الوسائل التي تؤدى بها الأعمال، إضافة إلى الأمور المهمة كالعقل، والعلم الواسع الذي يكفل الإدارة السليمة، والقوّة والقدرة على تخطي المصاعب وقيادة الجيوش، وبالملخص فقد آتاه الله (عز وجل) جميع الإمكانيات المادية والمعنوية التي تهيئ له تحقيق الأهداف التي سعى لأجلها.

(فَأَتْبَعَ سَبَبًا): الاتباع: اللحوق أي لحق سبباً

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ): رآها تغرب في بحر عميق داكن أو عين ذات ماء آجن وقيل: (ينطبق هذا الوصف على خط الاستواء من المحيط الغربي المجاور لإفريقية، ولعل ذا القرنين في رحلته الغربية بلغ سواحل إفريقية). وقيل: (إن هذه العين هي المحيط الغربي)، وقيل: (بحيرة بلستون في أمريكا الشمالية).

(وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا): هم مختلفون في الصفات والمزايا فمنهم المؤمن ومنهم الفاسق.

(قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا): أي إن جزاء الظالمين سيكون لهم العذاب في الدنيا والآخرة.

(وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا): أي ستُطبق العدالة الإلهية بحذافيرها، فمثلما سينال الظالم عذاباً في الدنيا، فسيُجازى المؤمن على إيمانه بالحسنى وتيسير أموره في الدنيا، ويتضح من هذه الآيات إلى أن الناس انقسموا أمام دعوته لله كعادتهم في كل زمان إلى مستجيب له ومؤمن به، وكافر بدعوته وجاحد بها.

(ثمّ أتَبَع سَبَاً): أي توجه إلى الشرق بواسطة ما منحه الله من إمكانيات.

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا): أي (وجدهم شبه عراة لا يمتلكون من الملابس ما يسترون أجسادهم به من حرارة الشمس)، وقيل: (لم يكن لديهم المنازل التي يأوون إليها لتحميهم من الشمس)، وقيل: (إنهم كانوا يعيشون في صحراء لا تتوفر فيها مستلزمات المعيشة كما تتوفر في المناطق الجبلية والغابات وغيرها)، ولا يوجد تعارض في كل هذه الأقوال فهي متشابهة من حيث المضمون الذي يدل على أنهم لم يكونوا يعيشون حياة طبيعية آمنة.

(كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا): أي نحن أعلم بما يمتلك من مؤهلات ونحن من هديناه إلى الطريق المستقيم

(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا): أي مضى ذو القرنين في سفره

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا): وصل إلى موضع بين جبلين فوجد أقواماً ــ غير الذين رآهم في الشرق ــ وكانوا متخلفين لا يعرفون لغة يتخاطبون بها، أما السد فقيل: (إنه وراء بحر الروم بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط)، وقيل: (إنه وراء دربند وخزران من ناحية أرمنية وآذربيجان).

(قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا): شكا هؤلاء القوم من يأجوج ومأجوج المفسدين الذين كانوا يغيرون عليهم ويقتلونهم، وطلبوا المساعدة منه في إنقاذهم منهم، وعرضوا عليه أن يعطوه مالاً على أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً يمنع من تجاوزهم وتعديهم عليهم. وقيل: (إن طريقة كلامهم مع ذي القرنين كان بواسطة الإشارة أو بعبارات موحية لذلك)، أو (عن طريق الإلهام الإلهي كحديث الطيور مع النبي سليمان (ع)، كما احتمل بعض المفسرين: (أن يكون طريقة نقل كلامهم كان بواسطة المترجمين)، وقد عرضوا على ذي القرنين تقديم المكافأة على عمله هذا.

(قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ): كان هذا جواب ذي القرنين، وفحواه إن ما وهبني ربي فيه الخير والكفاية التي تغنيني عن مساعدتكم المادية وهو خُلق الإنسان المؤمن الشاكر نعم الله عليه ..

(فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا): والرَّدم تعني ملء الشق بالأحجار، والمراد أعينوني بما أتقوى به على بنائه كالرجال والمواد وغيرها من الأمور التي يحتاجها البناء، وكان بناء السد بإشراف ذي القرنين.

(آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا): الزُبر جمع زُبرة وهي القطعة الكبيرة مِن الحديد، والصدف تعني حافة الجبل، وكان بين حافتي الجبل شقاً يدخل منه يأجوج ومأجوج فسدَّ ذو القرنين هذا الشق بوضع الزبر فوق بعضها حتى سد ما بين الجبلين تماماً، ثم أمر بتغطية هذا السد الحديدي بطبقة من النحاس المذاب للحفاظ عليه من التآكل ومنع نفوذ الهواء منه، ويظهر من خلال هذه العملية أن الله (عز وجل) قد وهبه علماً جماً حيث أثبت العلم الحديث إن تغطية الحديد بالنحاس يحفظه من التآكل ويزيد من مقاومته، وكان ذو القرنين قد ألهمه الله هذا العلم في ذلك الوقت.

(فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا): أصبح السد عظيماً وسميكاً وقوياً بحيث لا يستطيع يأجوج ومأجوج اختراقه.

(قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا): لم ينسب ذو القرنين صنع هذا السد إلى نفسه، ولم تأخذه العزة كعادة الملوك الجبابرة والمستكبرين، ويمنّ على خلق الله بما وهبه الله، بل أقر بفضل الله عليه ورحمته، فلولاه (عز وجل) لما استطاع أن يصنع هذا السد، وهذا يدل على إيمانه العميق وعقيدته الخالصة بالله.

(فإِذا جاء وعد ربّي جعلهُ دكاء): أي إن هذا السد ليس أبدياً، وهو موكّل بأمر ربي ومشيئته، فإذا جاء وعد ربي نسفه وجعله دكاء، وذكر المفسرون إن ذلك في يوم البعث.

عنصر الجمال والترابط في القصص الأربع

وقد ضمّت هذه السورة المباركة ثلاث قصص أخرى إضافة إلى قصة ذي القرنين، وهي: قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، وقصة موسى والعالم، ورغم أن كل قصة من هذه القصص الأربع قد حددت استقلاليتها عن الأخرى في الأحداث والتفاصيل والشخصيات إلا أنها تمحورت حول ما جاء في بداية السورة وتحديداً في الآيتين السابعة والثامنة: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا)، فالآيتان تضعان الإنسان أمام اختبار في إداء وظيفته على الأرض وما جعل الله عليها من زينة، ثم ترسمان نموذجاً لمن اجتاز هذا الامتحان بنجاح وهم: أصحاب الكهف الذين تخلوا عن زينة الحياة الدنيا واتجهوا إلى الكهف الذي عزلهم تماماً عن هذه الحياة واستأنسوا بدلاً عنها بمرضاة الله كما وصفهم تعالى: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)،

وفي المقابل يرسم القرآن الكريم نموذجا للجانب الآخر وهم الذين سقطوا في الاختبار وهو صاحب الجنتين كما جاء في قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43).   

وهذا النموذج الذي يرسمه القرآن الكريم هو على العكس من أصحاب الكهف، فهو قد غرته الحياة الدنيا، وتفاخر بشيء بسيط من زينتها، ونسي ذكر ربه، وهنا تأتي قصة ذي القرنين لتمثل جانباً جديداً من التعامل مع زينة الحياة الدنيا وبُعداً آخر من أبعاد التعامل مع الحياة.

يقول الدكتور محمود البستاني: (إذا كان صاحب الجنتين قد بهرته جنتاه واختل توازنه من التملك لتينك الجنتين بحيث دفعتاه إلى أن يدلّ ويتباهى ويتعالى على صاحبه الذي لا يملك مزرعة ومجداً اجتماعياً، أقول: إذا كان تملك مجرّد مزرعتين يدفع صاحبهما إلى تناسي نعم الله والتشكيك باليوم الآخر والانغماس في ملذات الحياة الدنيا، إذا كان مجرد تملك ذينك البستانين يفقد صاحبهما وعيه بحقيقة السماء والحياة ووظيفته، فإن ذي القرنين على العكس من ذلك تماماً، إنه يتملك ليس مزرعتين تحتلان مساحة صغيرة من أرض الله، (ليس مجرّد نفر هو: عشيرته التي يتباهى بها)، إنه يمتلك كل الأرض مشرقها ومغربها، ويمتلك كل الرقاب، كل الآدميين الذين بسط نفوذه عليهم، وأخضعوا لسلطانه.

إذن كم هو الفارق بين صاحب جنتين ومجموعة أفراد ..؟ وبين صاحب دنيا كلها مشرقاً ومغرباً والآدميين بأكملهم، ..؟ كم هو الفارق بينهما من حيث ضآلة التملك لدى الأول وضخامة التملك لدى الآخر..؟

ومع ذلك فإن صاحب الجنتين يلفه الطغيان في حين يتواضع ذو القرنين للسماء، ويدرك تماماً وظيفته التي أوكلتها السماء إليه، فيتعامل مع السماء ومع الآخرين على النحو الذي تطلبه السماء منه بحيث يجتاز الاختبار الذي مهدت له مقدمة السورة بنجاح بينما يسقط صاحب الجنتين في الاختبار المذكور ..)

أما عن التسلسل القصصي بين ذي القرنين وأصحاب الكهف فيقول البستاني: (ينبغي أن لا نغفل عن صلة قصة ذي القرنين بقصة أهل الكهف والجمالية التي ينطوي البناء الهندسي عليها، من خلال العلاقة القائمة على التوازن والتقابل بينهما، فأهل الكهف قد هربوا من زينة الحياة الدنيا واتجهوا إلى كهف منزوٍ، أما ذو القرنين فلم يهرب من الحياة بل تغلغل إلى آفاقها أجمع، إنه تملك كل معالم الزينة وأخضعها لسلطانه، إنه على العكس تماماً من الذين لم يتملكوا من زينة الحياة حتى مجرد الحياة الاعتيادية، إنهم لم يتملكوا أبسط حقوق التملك وهو العيش في دار بسيطة مثل الآخرين، بل لجأوا إلى كهف بعيد عن العمران، عن الناس، عن العيش ولو ببساطة، بيد أن هذا الفارق بين أصحاب الكهف وذي القرنين هو مجرد فارق بين نمطين من التعامل الإيجابي مع السماء، وليس بمثل الفارق بين صاحب الجنتين وذي القرنين، إذ أن الفارق هنا هو فارق بين تعامل سلبي خاطئ غلف صاحب الجنتين، وبين تعامل إيجابي صائب غلف ذا القرنين، في حين أن الفارق بين أصحاب الكهف وذي القرنين قائم على طرفين إيجابيين يخضع كلاهما للتعامل الصائب مع السماء، كل ما في الأمر أن الظروف الاجتماعية هي التي جعلت أصحاب الكهف يختارون العزلة وهم محقون في ذلك، وجعلت ذا القرنين يختار النشاط وهو محق في ذلك، هذا النحو من التقابل بين العزلة والنشاط يمثل وجهاً فنياً آخر من وجوه التقابل الهندسي في قصص سورة الكهف مما يضخم لدينا عنصر الاحساس الجمالي ...) (1)
رقم : 870828
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

إخترنا لکم