0
الثلاثاء 14 تموز 2020 ساعة 14:41

الاستلزام الحواري في آيات التوحيد ... مبدأ الكم انموذجا

الاستلزام الحواري في آيات التوحيد ... مبدأ الكم انموذجا
كلّ حوار يقوم على مبدأ عام يحكم المتحاورين يعرف بـ (مبدأ التعاون)، وخلاصته أن يتعاون المتكلم والمستمع على تحقق الهدف المتوخى منه، وقد يكون الحديث محددًا قبل دخولهما في الكلام، أو يحصل تحديده في أثناء الكلام، وصيغة هذا المبدأ (ليكن انتهاضك للتخاطب على الوجه الذي يقتضيه الغرض منه)، وعلى هذا الأساس يرى غرايس أنّ كلّ عملية تخاطبية تضبطها قواعد يفترض على المتخاطبين احترامها لبلوغ غاية الخطاب من الفائدة والوضوح ([2]).

ومن القواعد المتفرعة عن مبدأ التعاون الذي تندرج تحت مقولة مخصوصة ([3]) قاعدة كم الخبر الذي يجب أن تلتزم به المبادرة الكلامية، وتتفرع إلى مقولتين:

اولًا: لتكن إفادتك المستمع على قدر حاجته.

ثانيًا: لا تجعل إفادتك تتعدى الخبر المطلوب.

وخير ما يمثل هذه القاعدة التخاطبية قوله تعالى :﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ ([4]) ، إذ خرق المتكلم المقولات المتفرعة عن مبدأ الكيف بأن جعل إفادته للمستمع تتجاوز مجرد القول بأنّه سبحانه قد كرّم نبي الله إبراهيم (عليه السلام) واتاه من الرشد والعلم ما لم تؤتَ أحدًا من العالمين في زمانه ، أنّا هديناه صغيرًا، وأكرمناه بالمغفرة من قبل النبوة ([5])، وكنا عالمين بأنّه ذو يقين وإيمان بالله وتوحيد له، ولا يشرك به شيئًا ([6]) ، هذا المعنى الذي يدل عليه المنطوق في محل النطق بالقول ، معنى مستلزم فيه هو أبلغ المدح وأعظمه لإبراهيم (عليه السلام) ، زيادة على ما فيه من إيماء إلى تفرده بالهدى بين قومه ؛ لأنّه "تعالى إنّما يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنّه في المستقبل يقوم بحقها ويجتنب ما لا يليق بها ويحترز عمّا ينفر قومه من القبول"([7]).

وتأكيد الخبر عنه بلام القسم في (ولقد) ، هو تنزيل العرب في مخالفتهم لشريعة أبيهم إبراهيم منزلة المنكر ؛ لكون إبراهيم أوتي رشداً وهدياً، وكذلك الإخبار عن إيتاء الرشد إبراهيم بإسناده إلى ضمير الجلالة في (اتيناه)، فيه معنى مستلزم يقتضيه السياق هو التنبيه على تفخيم ذلك الرشد ، وأمّا إضافة (الرشد) إلى ضمير إبراهيم ، فللتنبيه على عظم شأن هذا الرشد ؛ لأنّ رشده كان مضرب الأمثال بين العرب وغيرهم ، فالإضافة لما كانت على معنى اللام كانت مفيدة للاختصاص، فكأنّه انفرد به ، وزاده تنويهاً وتفخيماً تذييله بالجملة المعترضة (وكنا به عالمين)([8]).

إذن فالمعاني التي تداولها من المتكلم خرجت عن الصراحة والحقيقة التي تحملها الألفاظ في ظاهرها، وذلك بوقوع المخالفة التي تنقل "الإفادة من ظاهرها الصريح والحقيقي إلى وجه غير صريح وغير حقيقي، فتكون المعاني المتناقلة بين المتخاطبين معاني ضمنية ومجازية"([9]).

ومن خرق مبدأ الكم قوله تعالى([10]):﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذه التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. السؤال بـ(ما هذِهِ التَّماثِيلُ)؟ يحمل معنى مسكوت عنه، هو تجاهل لهم وتغاب، ليحقر آلهتهم ويصغّر شأنّها، مع علمه بتعظيمهم وإجلالهم لها ([11])، وصيغ السؤال بأسلوب توجيه الاستفهام إلى ذات التماثيل ؛ لإبهام السؤال عن كنه التماثيل في بداية الكلام، لمعنى مستلزم فيه ، إيماءً إلى عدم الملاءمة بين حقيقتها المعبر عنها بالتماثيل ،وبين وصفها بالعبودية المعبر عنه بعكوفهم عليها، وهذا من تجاهل العارف استعمله تمهيداً لتخطئتهم ([12])؛ لأنّ القول عند غرايس إذا لم يتجاوز ظاهر لفظه ، لا يمكنه أن يثير أسئلة ، ومن ثمّ تُفتقد الحجاجية بين المتخاطبين([13])، لا سيما أنّ الاستلزام يحمل المتلقي على الدخول في صلب الخطاب الموجه له للبحث عن المعنى المستلزم ،كونه موجهًا بلغة التلميح لا التصريح ،بمساعدة قرائن مقالية ومقامية مرافقة للحدث الكلامي ،وخرق مبدأ الكيف هنا بخروج الاستفهام من معنى الحرفي إلى معنى التحقير والإبهام عن كنه التماثيل التي لهم لها عابدون ، أسفر  عن تناقل المعاني الضمنية بين المتخاطبين ،كما إذا قال القال : "لقد اشتد الحرّ بنا في هذا المكان ،وهو يقصد أن يتبادر أحد المستمعين إلى فتح النافذة ؛فهذا القول في ظاهره خبر يخل بقاعدة الكيف إذ يخبرنا بما نحن على علم به ،لكنه في باطنه طلب نهتدي إليه بأنّ القائل يأخذ بمبدأ التعاون"([14]) .

وجعْل العكوفِ مسنداً إلى ضميرهم (انتم) مؤذن بأنّ إبراهيم لم يكن من قبل مشاركاً لهم في ذلك ،فيعلم منه المعنى المستلزم بأنّه في مقام الردّ عليهم ، ذلك أنّ الإتيان بالجملة الاسمية في قوله تعالى : ( أنتم لها عاكفون) فيه معنى دوامهم على ذلك ([15])، ويؤكد استعمال الضمير (انتم) على التعاون الحواري بين المتخاطبين ليدل على قصد تداولي ينبغي أن يتجسد في سير العملية التواصلية وانجاحها، لأنّها مرهونة بالعمليات التأويلية الجارية في اذهان المتخاطبين في أثناء تخاطبهم، لتميز التواصل البشري "من هذا المنظور بخاصية التعاونية" ([16]).

وفي هذه الآية لا نتحصل على المعنى العباري من أول وهلة ، إذ لا بدّ لنا من الاستعانة بمعلومات ومعطيات أخرى مستلزمة للمعنى السياقي المقصود، فالمعنى المستلزم في هذا المقام لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الذي أنجز فيه الخطاب، لأنّ المقام يضم "والظروف والعلاقات الاجتماعية ، والأحداث الواردة في الماضي والحاضر والتراث والفلكلور والعادات والتقاليد والمعتقدات" ([17]) .

ولما كان مغزى نبي الله إبراهيم (عليه السلام) من محاورتهم جوابًا لسؤاله، أجابوه قائلين ([18]):﴿ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾، فبعد أن أبهم السؤال عن كنه التماثيل لتخطئتهم ، سمع جوابهم فهم يظنونه سائلاً مستعلماً ،ولذلك أجابوا سؤاله بقولهم (وجدنا آباءنا لها عابدين) ؛ لأنّ شأن السؤال بـ(ما) أنّه لطلب شرح ماهية المسؤول عنه ([19]).

فخرقوا بذلك مبدأ كيف الخبر ؛لأنّم أجابوه على نحو غير مطلوب للغرض الحالي للتبادل الكلامي بين المتخاطبين إذ أجابوه بما توهّموا إقناعه بأنّ عبادة تلك الأصنام كانت من عادة آبائهم فحسبوه مثلَهم يقدس عمل الآباء ولا ينظر في مصادفته الحق([20])، وهذا جواب يبعد عمّا أراده منهم في سؤاله ،فكثيرًا ما يجاب المستفهم بغير ما يتطلب استفهامه لسرّ وغرض بلاغي يقتضيه المقام، والسرّ البلاغي في العدول عمّا يتطلبه هذا السؤال، يرجع إلى ما عليه النظم الكريم ،فكأنّ المسؤول قد فتش ونقب، فلما لم يجد منعة ولا حماية أجاب بما أجاب، إذن فالجواب لا يتحتم أن يكون على وفق السؤال ([21])، لكن يحمل هذا الجواب معنى مستلزم بين طياته يكشف عنه المقام من طريق خرقهم لمبدأ الكيف، لأنّ التلويح الحواري "استدلال يجب أن يتوصل إليه المتلقي بغية المحافظة على افتراض التعاون بين المتحاورين ، فلولا الاستدلال لانتفت فرضية التعاون بينهما "([22]) .

ومن ذلك قوله تعالى:﴿ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾([23])، فدلالة القول الحرفية تدل على أنّ الخالق الذي خلقهما لمنافع العباد ،هو الذي يحسن أن يعبد ؛لأنّ من يقدر على ذلك يقدر على أن يضرّ وينفع ([24])، وهذا معنى ظاهر يفهم انطلاقاً من منطوق العبارة المستعملة ، أمّا المعنى المستلزم الذي من أجله خرق مبدأ الكم، والذي يدعو إليه الأمر الواقع من الكلام وأحوال المتلقين هو الإضراب عمّا قالوه، وفي الوقت نفسه التنبيه على عبادة خالق هذا العالم ، وواجده من العدم ، فهو لا يريد مجرد إخبارهم بأنّ الله ربّ السموات والأرض المتصرف في أحوالهما ،بل تعدى خطابه القدر المطلوب من الإخبار بإفادته معنى الإضراب .  

ونلحظ خرق واضح لمبدأ الكم في قوله تعالى([25])  :﴿ الَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ*أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾، إذ قال نبي الله  إبراهيم (عليه السلام) قاطعًا لما به يهذون ، ومفحمًا لهم فيما يتقولون بعد أن اظهر الحجة عليهم، أخذ يقرعهم ويوبخهم بعباده تماثيل ما لا ينفع ولا يضر ، بقوله : )أَفَتَعْبُدُونَ)، الذي خرج فيه الاستفهام من معناه الحرفي إلى المعنى المستلزم الذي يتطلبه سياق خرق مبدأ الكم وهو الإنكار والتبكيت ،والتوبيخ ، وجعل عدم استطاعتها النفع والضر ملزوماً لعدم النطق ؛ لأنّ النطق هو وساطة الإفهام ، ومن لا يستطيع الإفهام تبين أنّه معدوم العقل وتوابعه من العلم والإرادة والقدرة ([26])، وهذه الصفات تنطبق على تماثيلهم التي يعبدون ،فأراد بخبره هذا أكثر ممّا يعنيه ألفاظه في الظاهر ،وهو ما تطلب خرقًا لهذا المبدأ لدوام سيرورة التواصل الحواري بين أطراف الخطاب.

 و(أُفٍّ) ([27]) صوت إذا صوّت به علم أنّ صاحبه متضجر، أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم ، ووضوح الحق وزهوق الباطل، فتأفف بهم، واللام لبيان المتأفف به ،أي: لكم ولآلهتكم([28])، والمعنى المستلزم من قوله هو تضجر وتحقير وتقبيح لهم ولآلهتهم ،و" فَرَّع على الإنكار والتضجر استفهاماً إنكارياً عن عدم تدبرهم في الأدلة الواضحة من العقل والحس" ([29]) ، ونبههم على ما به يدرك حقائق الأشياء وهو العقل فقال : (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)، أي قبح صنيعكم ،وما أنتم عليه والمعنى المستلزم من همزة الاستفهام هو التوبيخ والإنكار، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار ؛ لمزيد استقباح ما فعلوا ([30]) ،وزيادة البيان وتشنيع عبادة غيره([31])، وتبقى هذه الآيات مقولة تحمل بين طياتها ضيق الصدر، وغيظ النفس، والعجب من السخف الذي يتجاوز كلّ مألوف.

نستنتج من هذا التواصل الحواري المتضمن خرقًا لمبدأ الكم أنّه (عليه السلام) كان في غاية اللطافة واللباقة التي تضمن دوام وتواصل التحاور بينه وبين قومه حتى تسير المحادثة باتجاه الإفادة وتحقيق القصد، من طريق فرض مبدأ التعاون بين المتخاطبين.

ومن المعنى المستلزم في قوله تعالى ([32]) :﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ  أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ  تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وكذلك ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ  ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ  أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، الذي تضمنه الموصول (الَّذي) الإشارة إلى شيء معروف عند المستمع، كما إذا قيل لك : مَنْ زَيْدٌ ؟ ، فتقول: الذي أبوه منطلق، فهذا التعريف إنَّما يحسنُ لو كان أبوه منطلقاً أمراً معلوماً عند المستمع،([33]) .

ويعدّ استعمال الموصول من ضروب الاستلزام المرتبطة بالتعريف به؛ لأنّ عنصر التعريف المعبر عنه بـ" أل والفاظ أخرى كثيرة مثل استعمال الضمائر ،واستعمال الإشارة ،وهي تكون على نحو عارض ينقل إلى فهم المتكلم أنّ هناك إحالة يجب أن تتحدد على نحو استثنائي في السياق المعرفي ممّا يتقاسمه المتكلم والمخاطب"([34])، من طريق المعنى المستلزم في الضمير (الذي) للتنبيه على أنّه هو الخالق لا غير ،وهذه من اسمى علامات التواصل ؛لأنّ استعمال اللغة لا يقتصر على البعد التواصلي الوصفي ، أو على التمثيل أو التبرير بالحجج ،ولكنه استعمال تفاعلي مدفوع بالرغبة في تحقق السلطة والسيطرة في المجتمع([35]).

 وقد جعل المخبر عنه (الرب) ، والخبر لفظ الجلالة ، لأنّ المعنى أنّ (الرب) لكم المعلوم عندكم هو الذي اسمه الدال على ذاته (اللَّهُ) ، لا غيره ممّن ليس، له هذا الاسم ، فتعريف المسند في : أنا أخوك ، يقال لمن يعرف المتكلّم ويعرف أنّ له أخاً، ولا يعرف أنّ المتكلم هو أخوه، فالمقصود من تعريف المسند إفادة ما يسمّى في المنطق بحمل المواطاة، وهو حمل ( هُو هُو ) ولذلك يخيّر المتكلّم في جعل أحد الجزأين مسند إليه ، وجعل الآخر مسنداً ؛ لأنّ كليهما معروف عند المتلقي ، وإنّما الشّأن أن يجعل أقواهما معرفة عنده هو المسند إليه ؛ ليكون الحمل أجدى إفادة ([36])

ومنه أيضًا قصد الإخبار من تقديم اسم الله تعالى في أسلوب النفي في قوله تعالى([37]):﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ  إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾، إنّما خر فيه مبدأ الكم من طريق تقديم مفعول (يخشى) على فاعله لمعنى يستلزمة سياق الكلام هو غرض بيان الخاشين من هم ،وأخبر بأنّهم العلماء خاصة من دون غيرهم ، ولو أخره وقدم العلماء، وقيل :(إنّما يخشى العلماءُ اللهَ) لصار المعنى على ضدّ ما هو عليه في التقديم ،ولصار الغرض من الخطاب بيان المخشيّ من هو ، والإخبار بأنّه سبحانه من دون غيره ، ولم يجب حينئذٍ أن تكون الخشية منه تعالى مقصورة على العلماء وأن يكونوا مخصوصين بها كما هو القصد في الآية ، بل كان يكون المعنى أنّ غيرَ العلماء يخشونه أيضاً ،إلاّ أنّهم مع خشيتهم الله تعالى يخشون معه غيره ،والعلماء لا يخشون غيره ([38]).

  ولو حصل العكس انقلب المعنى إلى أنّهم لا يخشون إلّا الله فينتج عنه معنيين مختلفين، لذا قدم على ما يجب في الصناعة النحوية مع توافر القرائن المعنوية الدالة عليه ، وبما أنّ الخشية من شروط العلم أفادت (إنّما) التخصيص (تخصيص العلماء) لا الحصر بحسب المعنى الحرفي الواضح لأول وهلة ، وإنّما حصل خرق لمبدأ الكم ؛لأنّ الكلام يحمل في مضمونه إبلاغًا أكثر ممّا هو واضح من معناه الحرفي لقصد آثره المتكلم أن يستلزمه كلامه ،يقول سيرل القصد "أن أولد لدى المستمع المعرفة بمعناي ، بجعله يتعرف على قصدي في توليد تلك المعرفة عنده"([39])، إذن كلّ هذه المعطيات تكشف لنا القصد الحقيقي من هذا الاتصال التداولي هو تحقق الفهم عند المستمع ومعرفة مغزى الخطاب الموجه .
رقم : 874394
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

إخترنا لکم