اسلام تايمز 22 تشرين الثاني 2022 ساعة 8:55 https://www.islamtimes.org/ar/article/1026107/سوريا-هل-تجد-في-الهند-داعما-بديلا-عن-العرب-الذين-خذلوها -------------------------------------------------- عنوان : سوريا... هل تجد في الهند داعماً بديلاً عن العرب الذين خذلوها -------------------------------------------------- اسلام تايمز (سوريا) - في الوقت الذي قطعت دول عربية شقيقة علاقاتها السياسية و الاقتصادية مع سورية خلال الحرب، حافظت الهند، التي تصنّف كخامس أكبر قوة اقتصادية في العالم، على علاقاتها الدبلوماسية مع الدولة السورية، و أبقى الجانبان التمثيل الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي قائما طوال الفترة الماضية. و قد جاءت زيارة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد مؤخرا إلى الهند بهدف تعزيز العلاقات السياسية و الاقتصادية و بحث آخر التطورات و القضايا الثنائية التي تجمع البلدين، ولكن السؤال الذي يمكن طرحه هنا هل كرست الحرب لدى الدولة السورية عدم الثقة مجدداً بالعرب رغم عودة العلاقات الدبلوماسية مع أغلب الدول العربية؟. نص : شكلت زيارة وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد،  للهند ولقاؤه كلاًّ من الوزير الهندي للشؤون الخارجية، جايشانكار، ونائب الرئيس الهندي، جاغديب دانخار، مفاجأة في الساحة السياسية العربية و الغربية وحسب وكالة الانباء السورية الرسمية "سانا" إنّ المقداد بحث مع دهنكر آخر مستجدات المنطقة، وأكد أهمية التواصل والتنسيق المتبادل في المواقف التي تهم البلدين. وأعرب المقداد عن ترحيب الدولة السورية بدور الهند في إعادة إعمار سورية، معتبراً أنّ ازدياد عدد الكفاءات السورية التي درست في الهند واكتسبت من التجربة الهندية، سيكون له دور فعّال في إعادة الإعمار.من جانبه، أبدى نائب الرئيس الهندي استعداد بلاده للتعاون مع النظام السوري في مجال التقانة والطاقة المتجددة، والأدوية والأسمدة، والطيران المدني والتدريب المهني. وسبق أن وقّع المقداد، في شهر فبراير/ شباط الماضي، بحضور سفير الهند في سورية، ماهيندر سينغ كانيال، اتفاقاً ضم بموجبه سورية إلى "التحالف الدولي للطاقة الشمسية"، وهو تنظيم حكومي دولي تقوده الهند. فهل يمكن ان يكون هذا التقارب رسالة واضحة للدول العربية ذات الاستثمار الخجول في سوريا بالمقارنة مع مساهمتهم الكبيرة في تخريب البلاد بأن الحرب غيرت رؤية الدولة السورية لعلاقاتها الدبلوماسية و الاقتصادية مع بقية الدول و خصوصا الشقيقة منها و من جانب آخر هل تستطيع دمشق أن تستثمر تحدي العالم الأسيوي للهيمنة الأمريكية لخدمة مصالحها في إعادة إعمار البلاد ؟ الموقف الهندي من الحرب على سورية لا شكّ في أن لحظة انطلاق الحرب المتشعبة في سورية، كانت بداية لارتفاع مستوى الاستقطاب الدولي، بين محورين متناقضين: الأول هو الذي ما زال قائماً حتى اليوم ، مرخياً بظلاله على العالم أجمع، وتهيمن عليه سياسات دولة الأمن القومي في الولايات المتحدة، ومعها دول الاتحاد الأوروبي و"إسرائيل" والأغلبية العظمى من الدول العربية، والتي تحالفت عملياً مع قادة "إسرائيل" وتركيا، من أجل إزالة سورية عن تموضعها الجيوسياسي وتدميرها. والثاني هو القوى الآسيوية الناهضة، ممثلةً بالصين وإيران والهند، متحالفةً مع روسيا. وعلى الرغم من قدرة الولايات المتحدة على استقطاب أكثر من 133 دولة، بعنوان "أصدقاء سوريا"، فإن القوى الآسيوية الصاعدة الكبرى وروسيا، وقفت موقفاً متبايناً بقوة الاصطفاف إلى جانب دمشق، لكنها اجتمعت على خطورة نجاح المشروع الأميركي على أمنها القومي، في حال انهيار سوريا الكلّي، فكانت شدة مواقفها تجاه الحدث السوري مرتبطة بحجم المخاطر عليها. وهذا دفع إيران وروسيا إلى أن تتصدّر المواجهة العسكرية مع المشروع الغربي في سوريا، ودفع الصين إلى التوافق مع روسيا من أجل منع تأمين غطاء قانوني في مجلس الأمن لغزو سوريا، وبقيت الهند وباكستان خارج إطار المواجهة، مع الإصرار على عدم الاصطفاف ضمن محور "أصدقاء سوريا"، الذي صنعته الولايات المتحدة، وحافظتا على علاقاتهما بدمشق، واستمرار سفارتيهما فيها، ومحاولة مساعدتها على نحو لا يُغضب الأميركيين. وفي ظل الحرب حسمت الهند قرارها عبر التموضع الجيوسياسي مع القوى الصاعدة والمتحدِّية للإرادة الأميركية، فاصطفّت مع إيران وروسيا والصين بصورة حاسمة،على نحو أدّى إلى منع إسقاط دمشق، التي وصلت المجموعات المسلحة إلى أبواب عاصمتها دمشق، وهي المجموعات التي دعمتها و مولتها الولايات المتحدة، عبر الدول العربية وتركيا و"إسرائيل". ولكن استطاعت سورية بدعم ماتصفه اليوم بالدول الصديقة استعادة تموضعها و طرد المسلحين من 65% من أراضيها، و اليوم تعزز الهند وقوفها مع الدولة السورية اقتصادياً و التي أعلنت استعدادها في هذه الزيارة لمساعدة سورية على إعادة الإعمار و نقل خبراتها التكنولوجية إليها على الرغم من الوضع الاقتصادي المتردي الذي تعيشه البلاد وارتفاع مستوى الفقر إلى أكثر من 94% بين السوريين، واستمرار تدفق الهجرة واللجوء إلى الخارج. الاستثمار السوري في تحدي العالم الآسيوي للهيمنة الأمريكية أخذ الموقف الهندي وضعاً جديداً بعد بدء الحرب في أوكرانيا، واصطفافها العملي والضمني إلى جانب روسيا، لإدراكها  بأن استراتيجية الأمن القومي الأميركي لن تتيح لأيّ دولة أن تخرج من إطار هيمنة السياسات المالية للبنك الفيدرالي الأميركي الخاص، وهذا ينطبق على الهند، بطبيعة الحال، التي تشهد نهضة صناعية وتكنولوجية، يمكنها أن تشكّل تهديداً للمكانة الغربية ونموذجها الليبرالي المتوحش، بالتآزر والتنافس مع القوى الآسيوية الصاعدة، والتي تشكل 40% من سكان العالم واقتصاده، ولها إرث تاريخي حضاري إمبراطوري متنوع الثقافات والأديان والإثنيات، على العكس من فردانية الثقافة الليبرالية في العالم الغربي. في إثر هذا التحول الهندي عبر تحدي سياسات الولايات المتحدة، تحقّقت فرصة جديدة أمام سورية من أجل الخروج من عزلتها الدبلوماسية، وثمارها الاقتصادية الممكنة، بعد أن شاركت أغلبية الدول العربية في حصارها وتدميرها، في حرب أهلية كارثية على الجميع، واستمرار هذه الدول حتى الآن في منع عودتها إلى العمق العربي، بفعل الأسباب الذاتية الأقرب إلى الشخصية، وبفعل حسابات البحث عن أدوار إقليمية، تتلاءم مع ملاءاتها المالية، النفطية والغازية، وبفعل الصراعات البينية فيما بينها، واستمرار التأثير الأميركي في قراراتها. وهذا ما تبدَّى في مؤتمر الجامعة العربية الأخير في الجزائر، وإغلاق الأبواب في وجه سوريا، مرةً جديدة. من الناحية الجيوسياسية ، تعتبر نيودلهي الجمهورية العربية السورية فرصة لتعزيز مكانتها كشريك أمني محتمل لدول الشرق الأوسط، حيث تخشى القيادة الهندية من تأثير الإسلاميين المتطرفين في أفغانستان وباكستان وكشمير، في كل الأحوال ، تفضل نيودلهي الاستقرار على عدم الاستقرار. و من هنا يمكن للهند أن تقتنص الفرصة بالعمل مع القوى الآسيوية الأُخرى، و البدأ بالعمل الاقتصادي، انطلاقاً من المناطق التي تسيطر عليها دمشق، لتبني نموذجاً اقتصادياً قادراً على استقطاب المناطق السورية خارج السيطرة، وتشجع السوريين على العودة، مع خبراتهم ورؤوس أموالهم الهائلة، إلى بلدهم. وكل ذلك لا يمكن أن يتحقق إلّا عبر الخروج من استمرار السياسات الحالية. علاقات اقتصادية بين البلدين تعتمد الهند على الأثر الاقتصادي الذي من الممكن أن تكسبه، إذ تطمح أن تكون المناطق الفاعلة فيها مستقرة، كون هذه المناطق منتجة للطاقة أو محتملة لمرور أنابيبها. فالهند تعتمد على الطاقة، ولم تكن خلال الفترة الماضية داعمة للمعارضة السورية مثلًا من منطلق اهتمامها ببقاء هذه الجغرافيات مستقرة أمنيًا لمنظور اقتصادي، كما أنها تريد سوقًا لبضائعها. وتملك الهند استثمارين مهمين في قطاع النفط في سوريا، الأول هو اتفاقية موقعة في كانون الثاني عام 2004 بين شركة “النفط والغاز الطبيعي” (ONGC) وشركة “IPR” الدولية، للتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في “الحقل 24” قرب دير الزور. والثاني بين شركة “ONGC” الهندية وشركة “CNPC” الصينية، للحصول على 37% من أسهم شركة “PetroCanada” الكندية في شركة “الفرات النفطية السورية” عام 2005.وكانت تلك الاستثمارات توقفت نتيجة العقوبات المفروضة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بانتظار رفعها، وفقًا لموقع السفارة الهندية في سورية. سعت الهند إلى تقديم نفسها كحليف وشريك مهم لدمشق في مرحلة ما بعد الحرب من خلال المشاركة في عمليات إعادة الإعمار تجسدت في مايو 2014 في زيارة وفد من رجال أعمال من قبل الغرفة التجارية الهنديَّة، التي تتخذ من دلهي مقًا لها ASSOCHAM وتحت قيادة مجموعة Cosmos، لمناقشة الفرص التجارية المتحملة بين الجانبين. وأرسلت الهند، عام 2019، مستكشفيها إلى دمشق للمشاركة في جهود إعادة الإعمار، وإعادة تفعيل المشاريع النفطية، إلا أنه في حال دخول الشركات الأمريكية ستنحيها جانبًا. وفي عام 2021، أعاد الطرفان إطلاق مركز التميز الهندي السوري لتقانة المعلومات – الجيل الجديد، الذي افتتح في المرة الأولى نهاية عام 2010، وباشر بالتدريب في شباط 2011، ليتخلى الجانب الهندي عن دعمه نهاية عام 2012. من الجدير بالذكر أن المسؤولين الهنود عملوا طوال فترة الحرب على المطالبة بزيادة الدعم الإنساني لسورية و الأمر لم يكن مجرد كلام فارغ، حيث عملت نيودلهي بالفعلعلى تقديم  مساعدات صحية وغذائية إلى دمشق، بالإضافة إلى مشاريع البنية التحتية و265 مليون دولار في شكل قروض ميسرة .كما ساعد مركز طبي للأطراف الاصطناعية مقره الهند وله مقر في دمشق أكثر من 500 مواطن معاق أصيبوا أثناء النزاع. و في تموز/ يوليو 2020، لمساعدة سورية في مكافحة جائحة COVID-19، شحنت نيودلهي عشرة أطنان من الأدوية المختلفة إلى البلاد. بالإضافة إلى ذلك ، سلمت الهند 2000 طن من الأرز إلى سوريا استجابة لطلب من الحكومة السورية.